الحراك الإخباري - 22 سنة تمر على فضيلة " سيدي الشيخ العارف محمد بلكبير "
إعلان
إعلان

22 سنة تمر على فضيلة " سيدي الشيخ العارف محمد بلكبير "

منذ أسبوع|دين

15 سبتمر 2000 / 15 سبتمبر 2022
22 سنة تمر على وفاة المعلم الذي ليس له بين المعلمين نظير " سيدي الشيخ العارف محمد بلكبير قدس الله سره "

مما يروى عن فضيلة الشيخ سيدي محمد بلكبير أن رجلا سأله عن سبب عزوفه عن التأليف فقال رحمه الله :
" إننا مشغولون عن تأليف الكتب بتأليف الرجال " .
فقد تَخَرَّجَ في مدرسته أزيد من 70 ألف حافظ لكتاب الله بين سنتي 1952 م و1992 م ولا يزال مدد الله متواصل ، وكان تلامذته من مختلف جهات القطر ومن خارج الجزائر كالسودان والمغرب وتونس وليبيا وفرنسا والنيجر وتشاد ومالي ... وكان إطعامهم وإيوائهم وتدريسهم على نفقته الخاصة .
الشيخ سيدي محمد بلكبير ملئت سجاياه الزمان والمكان بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .... ذات مرة وبينما كان يُلقى درسه بين العشائين ـ وكنت من الحاضرين ـ وإذا بصوت المؤذن يرتفع في مسجد مجاور فأمسك الشيخ عن الكلام وبقي صامتًا يُصغي لصوت الحق ، وكان المؤذن يُرَّجع الصوت بالآذان ويبالغ في زخرفته وتمطيط حروفه حتى خرج به من التغني إلى الغناء ... ولمّا انتهى من الآذان ، قال سيدي الشيخ عليه رحمة الله وكأنه يُخاطب المؤذن : " أَذّن آذانًا سَمْحًا وإلا فاعتزلنا " فكان ذلك آخر آذان يرفعه صاحبنا ، ومنذ ذلك اليوم لم نسمع له حسًا ولا رِكْزًا ... وذات ليلة كُنّا في حلقة الشيخ ، وكان منهمكًا في إلقاء درسه بين العشائين وإذا بأصوات فرقة " القرقابو" المتسربة من بيت جارنا في المسجد تقتحم علينا الدرس وقد كان صاحبنا يقيم حفل زفاف لأحد أبنائه ... فسكت الشيخ هنيهة وأطرق برأسه قليلا ثم رفعه وقد ارتسمت على مُحياه ابتسامة مشرقة افْتَرّت عن ثغر كأنه اللؤلؤ المكنون زادت وجهه المتلألئ أنوارًا وجمالاً ، وقال : " لجارنا ليلة ولنا سائر الليالي " ولم يزد على ذلك... كان رحمه الله لا ينام من الليل إلا قليلاً ، حتى إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر يخرج من بيته يمشي الهوينا ويترنح في خطواته المتثاقلة كأنه غُصنُ البَانِ تَمِيلُ به النسائم العليلة يمينًا وشمالاً ، فيتجه إلى المسجد وفي طريقه يجد ذوي الحاجات وقد اصطفوا في انتظار ما تجود به يده الكريمة ، فكان يُعطي جميع السائلين " عطاء مَن لا يخشى الفقر " ... كان يتصدق على كل مَن يُصادفه من السائلين بحزمة من الأوراق النقدية التي تُدخل السرور إلى قلوبهم ، أوراق نقدية لا يحسبها ولا يعدها ... وكان ذلك ديدينه كل صباح ، وفي مسجده العامر بوسط مدينة أدرار يؤم المصلين كعادته في صلاة الصبح ... لا يَزال صوته الشجي المنبعث من محراب الجامع الكبير يرن في أذني كأنما أسمعه الآن ... ولمّا تنقضي الصلاة يبقى لله ذاكرًا شاكرًا تاليًا لكتاب الله إلى أن ترتفع الشمس قليلاً فيصلى الضحى ويعود إلى بيته فلا يمكث هناك إلا يسيرًا ثم يتوجه إلى صالة الضيوف فيتناول فطور الصباح مع زائريه القادمين من كل فج عميق ويجالسهم ويمازحهم ثم يغادرهم في حدود الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة ليتجه إلى قاعة فسيحة الأرجاء ، واسعة الفناء ، في الطابق الأول ، تُسمى " المجلس " هنالك يبدأ دروسه المختلفة في الفقه والتفسير والمنطق والنحو والعقيدة والسلوك وعلم الحديث ... فينتقل بين هذه المواد الدراسية كما يتنقل النحل بين الزهور ليجمع الرحيق من هنا وهناك ليخرجه للناس عسلاً مصفى فيه شفاء للناس ، ويبقى على هذه الحال إلى أن تميل الشمس إلى الزوال قليلاً ، ولا يغادر مجلسه ذاك إلا في حدود الساعة الثانية عشرة والنصف أو الواحدة ، ومنها يذهب مباشرة إلى قاعة الضيوف فيتناول طعام الغداء مع مَن حَضر ، وقد يصل ضيوفه إلى المائة والمئتين كل يوم ، وكانوا جميعًا لا يصدرون إلا عن طعام مختلف ألوانه ، وأطباق التمر ، وقداح اللبن ، وكؤوس الشاي المنعنع الذي تنبعث روائحه الزكية في أرجاء المكان ، وبعد الغداء وفي حدود الساعة الثانية بعد الزوال يتجه الشيخ إلى بيته ليأخذ نصيبه من الراحة ، فيغفوا إغفاءة القيلولة إلى أن ينكسر الحر قليلاً ، ومدينة أدرار ومنطقة توات عمومًا معروفة بقيضها الشديد في فصل الصيف ... وفي حدود الساعة الرابعة مساءًا يؤم الشيخ المصلين لصلاة الظهر ولا يغادر محرابه إلى أن صلاة العصر ، وبعيد صلاة العصر مباشرة يشرع في ورده اليومي فيذكر الله ذكرًا كثيرًا ، ويسبحه سَبْحًا طويلاً زهاء ساعتين ... ثم يغادر إلى بيته فلا يخرج منه إلا قبيل المغرب بدقائق معدودات ، ليؤم الناس لصلاة المغرب فإذا انفلت من الصلاة أدى ورده ثم ينتقل من محرابه إلى متكأ له في وسط المسجد وهناك يشرع في الدرس بين العشائين ، أو هي بالأحرى مجموعة دروس منتظمة موجهة لعامة المسلمين وليست كدروس الصبيحة الموجهة إلى خواص الطلبة ممن بلغوا في العلم مراتب علية ... ويتأخر بالعشاء قليلاً إلى الساعة الحادية عشرة ليلا في الصيف ... وهكذا هي أيام السنة كلها ، وقد زاره الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد رحمه الله ، ومكث لديه أيامًا وليالي ، فلم يتغير برنامج الشيخ في ذكره وأوراده ودروسه ... كان السيد الرئيس يجلس القرفصاء في حلقة دروس الشيخ متواضعًا مصغيًا مستمعًا كأن على رأسه الطير ويأكل مما يأكل عامة الضيوف ولم يتميز عن الناس بشيء ، كما كان يتردد على الشيخ جل الوزراء والسفراء والجنرالات وقادة الأمن وعلية القوم فلا يحفل بأحد ولا يُميزه باستقبال خاص أو طعام خاص .. كان جميع زوّاره سواء لا فرق بين أميرهم وحقيرهم ، ولا بين غنيهم وفقيرهم .
حياة الشيخ سيدي محمد بلكبير حياة عامرة بالعلم والذكر والصدقة وأعمال البر سَوَاد الليل وبَيَاض النهار ...زاره العلماء فاندهشوا ، وجَلَسَ الدكاترة والمشايخ في حلقات دروسه فانبهروا ، ورأى الناس سيرته العطرة فحارت عقولهم في جلائل أعماله ومناسك بطولاته ...زاره ذات مرة أحد شيوخ الزوايا ، فسأله سيدي بلكبير : أتُدَرّسُون القرآن ؟ قال : لا ، إنما هي زاوية تَبَرُّك فقط ، فقال الشيخ رحمه الله : وهل تنزل البركة من غير القرآن ؟ درسوا القرآن ، درسوا القرآن ، درسوا القرآن ...كررها بلهجة إصرار وإلحاح ثلاثًا .
مدرسة الشيخ العالم العلاّمة سيدي محمد بلكبير جامعة من جامعات العلم التي لا يضاهيها في نشاطها سوى الأزهر الشريف ، أول ما يُلفت الزائر إليها لباس الطلبة المعممين وقد ملئوا مسجد الشيخ وعليهم من الله أنوار وأسرار ... وقد بلغ عددهم سنة 1988 عندما كنت تلميذًا هناك 1200 طالب يُدرسهم الشيخ القرآن الكريم على رواية ورش ، قراءات فردية ، وجماعية ، واستظهار للسور والأحزاب ، إلى جانب واجب حفظ الراتب اليومي من القرآن لكل تلميذ ، وضرورة استظهار القرآن الكريم كاملا وفي يوم واحد لمن أتم حفظ كتاب الله ، ويُدرس الشيخ علوم القرآن الكريم ، المشتملة على أسباب النزول ، والمتشابه في القرآن ، والرسم الإملائي لكتاب الله ، وتفسير القرآن ، والأحكام الفقهية في القرآن ، كما يلقن الشيخ للناشئة والشباب علوم الفقه على مذهب الإمام مالك ، فيجعل للمبتدئين حفظ بن عاشر وفهمه ، ولمتوسطي الثقافة الفقهية حفظ رسالة أبي زيد القيرواني وشرحها ، وللطبقة العالية الثقافة في الفقه حفظ وشرح كتاب مختصر الشيخ خليل بن اسحاق المالكي ، أما علم النحو فللمبتدئين حفظ متن الأجرومية وشرحها ، وللطبقة التي لها ثقافة عالية بقواعد اللغة العربية وأصولها فينبغي لهم شرح ابن عقيل مع الإلمام بكل المدارس النحوية لأصول قواعد اللغة ، وبين الفينة والأخرى تتخلل حلقات الشيخ شذرات من السيرة النبوية كما تُلَقَن دروسًا منتظمة ، مع وجوب حفظ قصيدتي البردة والهمزية للإمام البوصيري وشرحهما ، أما علم الأخلاق والسلوك فيُلقن دروسًا راتبة ويُلزَمُ صغار الطلبة والمبتدئين بحفظ هدية الألباب التي تُعَلّمُ الناشئة محاسن الأخلاق أينما كانوا وكيف ما كانوا ، أما كبار الطلبة ممن تضلعوا في العلوم الشرعية فيجب عليهم حفظ كتاب الحكم العطائية لابن عطاءالله السكندري والوقوف على شرح معانيها ، والغوص في أعمال القلوب وفقه البواطن وخلجات النفوس وحصائل الصدور ، ويدرس الشيخ علم العقيدة ويقوم بشرحها شرحًا مبسطًا من متن بن عاشر للمبتدئين ، أما المتمكنين من كبار الطلبة فيجب عليهم حفظ متن الأوجلي ومتون أخرى موافقة لعقيدة الأشاعرة والماتوريدية ... وتُقدّم مدرسة الشيخ لتلامذتها على مائدة العلوم الشرعية أطباق لذيذة من أحكام التلاوة [ ترتيلاً وتجويدًا ] مع وجوب حفظ متن الجزرية ، أما علم الحديث فيبدأ مع وجوب حفظ متن البيقونية ... وتقدم مدرسة الشيخ علومًا شرعية أخرى ، وكثيرًا ما سمعت فضيلته يترنم طربًا بهذا البيت :
قَدّمِ الأَهَمَ فإنَّ العِلَمَ جَمْ *** والعُمرُ ضَيفٌ زَارَ أو طَيفٌ أَلَمْ
الشيخ بلكبير عالم من علماء هذا العصر ، وقلما يجود الزمان بمثله ، وأحد الكواكب الزاهرة التي أهتدى بها الناس في المدلهمات ، غير أن كاميرات العبث قد أخطئته ، لكن الكاميرا ليست هي التي توشح الأعلام بأوسمة العلم والهدى والفضل ، فسيرة الشيخ العطرة حملها تلامذته وساروا بها في مشارق البلاد ومغاربها ، ورددها فم الزمان بطولات ومآثر وأمجاد ، وأي أمجاد ، كان الشيخ يوصى الحاضرين من تلامذته الذين يعتلون المنابر عندما يتخرجون ، فيقول لهم "إن الإمام كالثوب الناصع البياض أدنى وسخ يظهر عليه " ... وكان يتخول تلامذته بالنصيحة بين الحين والآخر ويدعوهم إلى الجد والاجتهاد والمثابرة ومواصلة الليل بالنهار لتحصيل علمي مجيد ، وكان يحث على الإخلاص في طلب العلم ، وكثيرًا ما سمعته يردد القول الامآثور " مَن عمل بما علم ورّثه الله عِلم ما لم يعلم " ، وكان يردد قول القائل :
العلم زين بالعمـــل *** لا بالتباهي والأمــل
فمَــن أتى بحقــــــه *** بالفعل والقول كمــل
ومَن نَأى عن فعـله *** فهو حمار أو جمـــل
يحمل أسفارًا فـــلا *** يدري لمعنى ما حمل
ومن عجائبه في الصدقات ، ومما يُروى عنه أن رجلا أهدى للشيخ 120 ألف دينار ، أي 12 مليون سنتيم في ضرف مغلق ، فتناول الشيخ الظرف بيد وسلمه باليد الأخرى لأحد جلسائه وكانت سيما الفقر تبدوا جلية عليه ، فصاح صاحب الضرف يا سيدي الشيخ إنها 12 مليون سنتيم ، فابتسم رحمه الله ، وقال : " المال مال الله ، وما أنا إلا كموزع البريد " ، ولعل القيمة المالية لـ 12 مليون سنتيم سنة 1984 ، قد تساوي 120 مليون سنتيم في وقتنا الحاضر ... الدنيا بالنسبة للشيخ رحمه الله لا تساوي عنده جناح بعوضة فقد كان يمتلك عقارات هائلة مخصصة لإيواء الطلبة في قلب مدينة أدرار ، لو كان طالب دنيا لجعل منها فنادق تُدرُّ عليه أموالاً طائلة وأرباحًا معتبرة في زمن كانت فيها السياحة قائمة على سوقها آنذاك ، ولو كان طالب دنيا لباع حليب أبقاره لساكنة أدرار ولَجَنَنى منه مالاً وفيرًا ، ولكن الحليب كله كان يُوَجَّه طازجًا لتلامذته وضيوفه ، وكذلك محصول بساتينه من التمر وغير ذلك مما بسطه الله عليه من رزق ... كان الشيخ رحمه الله يقطن في أبسط البيوت أثاثًا ورئيًا ... كان رجلاً ربَّانيًا ، تَعلق حبه بالله ، وبرسول الله صل الله عليه وسلّم ، عاش حياته زاهدًا في الدنيا وهي في يديه ، وذلكم هو الزهد الحقيقي في أجلى معانيه وأبهى صوره .
هذا جزء من بعض ، وبعض من كل ، عن حياة شيخي وسيدي محمد بلكبير قدّس الله سره ، وأظله بسحائب الرحمة والرضى والرضوان ، وجعل مقامه في علّيين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقًا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم : أ . محمد رميلات

تاريخ Sep 15, 2022