العاصمة.. تذبذب في توزيع المياه بهذه الأحياء بسبب عطب تقني
أخبار
2026-09-08

من واشنطن: محمود بلحيمر
الصحافة الأميركية ومنصات الإعلام المؤثرة والواسعة الانتشار في العالم في قبضة حفنة من الأثرياء. هذه هي الحقيقة التي تتكشّف أمامنا اليوم، وحتى قبل اليوم. وضعُ الصحافة أثاره النجم الأميركي، جورج كلوني، معربا عن قلقه إزاء حالة وسائل الإعلام الأميركية التي أصبحت في يد الملياديرات.
في تصريح له خلال مؤتمر صحفي بمهرجان البندقية السينمائي في إيطاليا، أين تلقى جائزة "الأسد الذهبي" قال النجم الأميركي: "وضع الصحافة اليوم مثير للقلق. من الواضح أن أغنى الناس في العالم اليوم يملكون صحيفة "الواشنطن بوست" ومنصة "تويتر"، ويمتلكون أيضاً معظم المنابر التي نستقي منها معلوماتنا. وأعتقد أن خمسة أو ستة من أكبر المنابر الإعلامية التي نحصل منها على معلوماتنا مملوكة لأغنى الناس في العالم".
نجم هوليود، الذي أبقى على بارقة أمل حيال إمكانية القيام بصحافة جيدة، لم يقم سوى بإثارة تحذيرات، أطلقها أكاديميون ومفكرون من عقود، من هيمنة ملاّك الشركات الكبرى على وسائل الإعلام الثقيلة، وهو ما سيفقدها استقلاليتها ويحرم الجمهور العريض من التعبير الحر. فما حصل في العقدين الماضيين تجاوز التوقعات وغيّر المشهد الإعلامي في أميركا.
"الواشنطن بوست" تحت سيطرة جيف بيزوس
فصحيفة "الواشنطن بوست"، إحدى أعرق الصحف الأميركية التي ظهرت إلى الوجود في عام 1877، وهي واحدة من الصحف الواسعة الانتشار والأكثر تأثيرا في أميركا. ومن بين ما اشتهرت به التحقيقاتُ التي نشرها الصحفيان بوب وودورد و كارل بيرنستين التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون،، هذه الصحيفة صارت منذ عام 2013 مملوكة لجيف بيزوس، أحد أبرز أثرياء العالم (يصنف حاليا ثالثا بثروة تقدر بـ266 مليار دولار، بعد إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم بثروة تقارب تريليون دولار).مايريده بيزوس من الواشنطن بوسط ليست الربح فقط بل الأداة الفتاكة التي تمثلها لحماية ثرويته من المنافسة الشرسة في عالم السياسة والمال وتحقيقق المزيد من الثروة.
وما أثير من مخاوف حول خسارة الصحيفة العريقة لحريتها لم يكن من فراغ؛ فمالك شركة أمازون العملاقة سرعان ما صار يتدخل في السياسة التحريرية للصحيفة، حتى وإن نفى ذلك. ومن بين الأحداث البارزة في هذا الشأن منعُه في خريف عام 2024، عشية الانتخابات الرئاسية، نشرَ مقالة لهيئة التحرير تدعم المرشحة الديمقراطية للرئاسة، كاملا هاريس، في مقابل منافسها دونالد ترامب. فلقد دأبت الصحيفة على نشر مقالة رأي لهيئة التحرير قبل كل انتخابات رئاسية تعلن فيها موقفها إزاء المرشحين. حدث ذلك مع كل انتخابات رئاسيى أميركية. غير أن بيزوس منَعَ نشر مقالة مؤيدة لهاريس واعتبر أن المسألة مبدأية وأن تأييد مرشح رئاسي بعينه يخلق انطباعا بتحيز الصحيفة. لكن منتقديه شددوا على أن الأمر يتعلق بحماية مصالحه التجارية والحفاظ على علاقة جيدة مع المرشح الجمهوري دونالد ترامب، بحيث كانت استطلاعات الرأي ترجح أنه سيكون الفائز.
يقتسم أثرياء أميركا السيطرة على كبريات المؤسسات الإعلامية؛ فبالإضافة إلى "الواشنطن بوسط" تملك شركة أمازون مؤسسة "تويتش" (Twitch)، التي تخصصت في الألعاب ثم سرعان ما وسّعت نشاطاتها إلى الأخبار والنقاشات السياسية والبودكاست والفيديوهات وغيرها. و منصة "إكس"، التي كانت تسمى "تويتر" سابقا، يملكها إيلون ماسك، أول تريليونير في العالم، والذي يدير مشاريع عملاقة في الفضاء والتكنولوجيا والسيارات الكهربائية، علما أن عددا من هذه المشاريع ممول من طرف الحكومة الفدرالية. وموقعا "فايسبوك" و"انستغرام" تعود ملكيتهما لمارك زوكربيرغ، صاحب شركة "ميتا" المصنف سادسا في قائمة أغنياء العالم.
ما كان يُنظر إليه أنه سيجسد مفهوم "السوق الحرة للأفكار" من خلال السماح للجميع بالتعبير الحر تبيّن أنه مجرد وهم، لأنه ببساطة لعبة الخواريزميات صارت تقصي من يريد الخروج عن السردية المهيمنة.
لاري أليسون يسيطر على تويتر والتلفزيون والسينما
ويسيطر لاري أليسون، المصنف سابعا ضمن أثرياء العالم، على منصة "تويتر" في أميركا. المنصة التي اقتُطِعت من الشركة الأم الصينية حتى لا تفلت السيطرة على السرديات من يد الأميركيين، وحتى لا يكون الرأي العام الأميركي معرّضا لسرديات خارجية لا تنسجم مع السردية المسيطرة.
بينما يملك لاري أليسون برفقة ابنه دافيد شركة "باراماوث سكاي دانس" المالكة لشبكة "سي بي أس نيوز" وعدد من المؤسسات الرائدة في مجالي الأخبار والإنتاج التلفزيوني والسينمائي. ويأمل أليسون في استحواذ مجمّعه "باراماونت سكاي دانس" على "وارنر براذرز ديسكفري"، التي تضم عددا من المؤسسات البارزة في قطاعي الإعلام والسنما ومنها شبكة "سي أن أن"، في صفقة بقيمة 110 مليار دولار وافقت عليها وزارة العدل الأميركية لكنها لا تزال محل نزاع قضائي وجدل واعتراض من ووجوه بارزة في هوليود. وتتخوف أوساط أميركية من الاحتكار ومن تقييد حرية التعبير حيال إدارة ترامب الحالية، علما أن لاري إليسون من أبرز مؤيدي ترامب إسرائيل. ومنذ أن عيّن نجله، دافيد إليسون، الصحفية باري وايس (Bari Weiss) على رأس شبكة "سي بي أس نيوز" تواترت أخبار عن ممارسة الرقابة ما تسبب في مغادرة وجوه إعلامية بارزة من برنامج "60 دقيقة" الشهير، ومنهم الصحفي البارز سكوت بيلي (ٍScott Pelley).
ويسيطر روبرت مردوخ، الذي تقدر ثروته بأكثرمن 22 مليار دولار، على شبكة "فوكس نيوز" المحافظة والمؤيدة لترامب وبالإضافة إلى شبكة "فوكس نيوز" تملك عائلة روبرت موردوخ عددا من الصحف الواسعة الانتشار مثل "وول ستريت جورنال" و "نيويورك بوست". (علما أن مردوخ يسيطر أيضا على مؤسسات إعلامية شهيرة في بريطانيا واستراليا).
6 شركات عملاقة تسيطر على معظم وسائل الإعلام
وكما هو واضح، تُسيطر حفنه قليلة من الميليارديرات على كبريات المؤسسات الإعلامية في ومنصات التواصل في أميركا. هذا الوضع سبق وأن وصفه السيناتور الديمقراطي عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرس، بأنه غير مسبوق، وكتب في منشور على موقعه الإلكتروني إنه "لم يسبق في تاريخ الولايات المتحدة أن بلغ نفوذ هذا العدد القليل من التكتلات الإعلامية على الرأي العام هذا الحد، وهي تكتلات يملكها جميعا أفراد من طبقة المليارديرات. وتشير التقديرات إلى أن 6 شركات إعلامية عملاقة تسيطر اليوم على نحو 90% مما يراه الأميركيون ويسمعونه ويقرأونه. وهذه القلة من الشركات هي التي تحدد ما يُعدّ "مهما" وما يُستحق أن يشغل النقاش العام، وما يُعتبر "غير مهم" وبالتالي يُهمَل ويُتجاهَل".
لجنة حماية الصحفيين (CPJ) التي مقرها نيويورك، ذكرت في بيان لها في 7 أبريل 2026 "في عام 1983، كانت 50 شركة تملك 90 % من شركات الإعلام الأمريكية. أما اليوم، فأصبحت 6 شركات عملاقة تسيطر على معظم وسائل الإعلام".
هيمنة الأوليغارشية المالية على الإعلام، وزيادة على ممارسة الرقابة وفرض سردية واحدة مهيمنة وإقصاء التعددية الإعلامية والفكرية وحرمان الجمهور من التعبير الحر،،، فهي تعني امتلاك الشركات العملاقة مزيدا من القوة والنفوذ على الجمهور وعلى المشهد السياسي. المليارديرات يملكون سلاح الدعاية الذي يمكنهم بسهولة من تنصيب حلفائهم في مراكز القرار، كما يمكنهم الإطاحة بسهولة أيضا بمن يتبنّون برامج وتصورات لا تخدم مصالحهم.
ولقرب الأوليغارشية المالية من المؤسسة السياسية في واشنطن نحن أمام تحالف غير معلن بين القطبين؛ بحيث تمتنع وسائل الإعلام عن إثارة النقاش حول قضايا أسياسية بالنسبة للشرائح العريضة من المجتمع مثل حرمان ملايين الأميركيين من الرعاية الصحية وتدهور القدرة الشرائية والتعليم والفقر وخفض الضرائب على الأثرياء، بدلا من ذلك يتم تحويل النقاش إلى قضايا هامشية وفق دعاية مدروسة تُعد في المخابر. وبالملوس تُهيمن على القنوات الاخبارية الأميركية مسائل مثل كتابة اسم ترامب عند مدخل مركز كندي الثقافي أو إعادة تسمية بحيرة اونتاريو المشتركة مع كندا لتصبح "بحيرة أميركا"، وقضايا مشابهة على حساب القضايا الأساسية المشار إليها.
زعماء الإعلام في أميركا لا يهمهم ارتكاب جريمة إبادة في غزة أو وقف الحرب في السودان أو حتى في أوكرانيا لأن مصالح شركاتهم الكبرى غير ذلك، ولأن السرديات التي يريدونها أن تهيمن تنسجم مع التوجهات الفكرية والسياسية والمصالح الاقتصادية للنخبة المهيمنة على المؤسسة السياسية، وتتجاهل جرائم الحرب ومعاناة المهاجرين وتدهور البيئة،،، فالمصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي والمالي لهذه النخبة، تبقى على رأس الأولويات. وهنا ضاع حق الجمهور في الإعلام.
م. ب
أخبار
2026-09-08
أخبار
2026-09-08
أخبار
2026-09-08
أخبار
2026-09-08
أخبار
2026-09-08
أخبار
2026-09-07