الرئيس تبون يهنئ اتحاد العاصمة بعد التتويج بكأس الكونفدرالية الإفريقية
أخبار
2026-05-16

د. ميلود شنوفي
أستاذ جامعي مقيم بكندا
في مقال نشرته له صحيفة "ذي أنديباندنت" الأمريكية منذ أيام، كتب روبرت كاﭬن معلّقًا على تداعيات الحرب الأمريكية ضد إيران : "من الصعب أن نسترجع من ذاكرتنا لحظة تعرضت فيها الولايات المتحدة لهزيمة ساحقه كهذه، نكسة متكاملة الملامح بلغت شدّتها درجة يتعذّر معها إنكار أن الخسائر الاستراتيجية التي ترتّبت عنها غير قابلة للترميم". من المدهش أن حكمًا بهذه القسوة يصدر عن كاﭬن تحديدا، المعلّق المخضرم المحسوب على تيار المحافظين الجدد الذي ما فتيء يروّج منذ التسعينات لسياسات واشنطن الأكثر عنفًا بحجّة أن سيطرة أمريكا على العالم أمر مشروع لأنها دولة تملك من القوة العسكرية والقيم الأخلاقية ما يسمح لها بتجاهل القانون والأعراف المتعامل بها دوليا. ولكن كاﭬن تجاهل عمدا الإشارة إلى أن الفكر الذي عمل شخصيا على نشره لعب دورا أساسيا في إتّخاذ قرار الحرب.
خيبة أمل كاﭬن تعكس جيّدا المشهد الحالي بأمريكا من حيث إختلافه الجذري عن المشهد الذي كان سائدا غداة إندلاع الحرب، حين كان الرئيس ترامب يصرّ على أنّه لن يقبل بأقلّ من إستسلام إيراني تام، وكان حلفاء أمريكا في الغرب - بإستثناء إسبانيا - يهلّلون للعملية رغم خرقها الصارخ للقانون الدولي، وفي حين كان الإعلام يبشّر بفجر جديد للشعب الإيراني على وقع إنهيار سريع للنظام في طهران. وما قرار الولايات المتحدة الدخول في مفاوضات مع ايران الا دليل على فشلها في الحرب. فالقوى العظمى لا تتفاوض إلّا إذا وجدت نفسها في مأزق شبيه بالمأزق الذي تتخبّط فيه الولايات المتّحدة حاليًا لأنّها مُنيت بثلاثة هزائم : هزيمة فكرية، وهزيمة عسكرية، وهزيمة جيوسياسية.
جذور الحرب
قبل التعمّق في المسألة، يجدر التساؤل عمّا دفع الرئيس ترامب إلى إقحام الولايات المتّحدة في حرب كان إحتمال فشلها واردا منذ البدء. من نافلة القول إن هذه الحرب هي حرب إسرائيلية بالدرجة الأولى. فمنذ إجتياح العراق ونتنياهو يطالب الرؤساء الأمريكيين بالعدوان على إيران. هذا الإصرار منسجم تمام الانسجام مع استراتيجية إبتدرتها إسرائيل باغتيال رئيس الحكومة إسحاق رابين، مفادها أن بديل الإعتراف بالفلسطينيين متوفر ويتمثل في ثلاثة محاور. اولا، مواصلة الإستيطان الإستعماري دون هوادة والقضاء بذلك على أي أمل في إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، ومواجهة المقاومة الفلسطينية مهما كانت طبيعتها باقصى قدر من العنف المسلح الى ان يكتفي الفلسطينيون بالعيش في ظلّ نظام تمييز عنصري يحكم عليهم بالانقراض. ثانيًا، إستغلال نفوذ أمريكا وقوتها في المنطقة للضغط بشدّة على الدول العربية والدفع بها إلى التطبيع مع اسرائيل دون ان تتضمن العملية أي إشارة إلى القضية الفلسطينية. ثالثا، تجنيد امريكا لتدمير كل الأنظمة العربية المساندة للقضية الفلسطينية واستبدالها بأنظمة مهزوزة الأوصال تقبل بالإنزواء بعيدا عن المعادلات الجيوسياسية الإقليمية.
سعت إسرائيل الى تنفيذ هذه الاستراتيجيات بشكل تدريجي. تضغط من خلال اللوبي الإسرائيلي في واشنطن على كل رئيس أمريكي لتحقيق كل ما أمكن تحقيقه باستغلال نقاط ضعف كل منهم. على هذا النحو تحصّلت إسرائيل لدى جورج بوش الإبن على غزو العراق ونسف مسار المفاوضات مع الفلسطينيين. وتحصّلت لدى أوباما على عسكرة الربيع العربي بشنّ الحرب على ليبيا وما تلاها من تغيير للنظام، و إشعال لفتيل الحرب الأهلية في سوريا وزعزعة الإستقرار في اليمن. وتحصلت لدى ترامب على اتفاقيات التطبيع مع ثلاث دول عربية وما ترتّب عن ذلك من ضغوطات حادة على العربية السعودية وقطر كي تنظمّ إلى االتطبيع. وتحصّلت لدى بايدن على سند عسكري ودبلوماسي للإبادة في غزّة ومضاعفة العنف الإستيطاني في الضفّة الغربية والقدس.
بناءً على ما سبق، تبدو الحرب على إيران وكأنها من تحصيل الحاصل. المفارقة أنّها ظلّت لعقود من الزمن المسعى الوحيد الذي قابله كل الرؤساء الأمريكيين بالرفض. ويعود السبب إلى أن أمريكا ومنذ هزيمتها في فيتنام، أصبحت لا تحارب إلّا من كان أضعف منها بكلّ المعايير كالعراق سنة 2003 وليبيا سنة 2011. حتى دولة كسوريا الأسد فضّلت أمريكا مواجهتها بالوكالة. فحين يشعر أصحاب القرار في واشنطن أن الدولة الغريمة تملك من مقومات الصمود - العسكري والمؤسساتي والجماهيري - ما يحول بين أمريكا وبين إنتصار ساحق وسريع، فإنّهم يتفادون الحرب ويلجؤون إلى أساليب ضغط اخرى كالعقوبات الإقتصادية والعمليات السرّية والتحريض لضرب الإستقرار الداخلي. ترامب نفسه إحترم هذه القاعدة في عهدته الأولى. صحيح أنّه لبّى طلب اسرائيل بسحب الولايات المتّحدة من إتفاقيات النووي التي أبرمها أوباما سنة 2015، ثم ضاعف من العقوبات على إيران وإغتال الجنرال قاسم سليماني وشارك في الهجوم السبرياني على المنشآت النووية الإيرانية وأعطى الضوء الأخضر لإغتيال علماء نوويين إيرانيين. صحيح أيضا أن كل هذه التنازلات توشي بوضوح إلى أن إسرائيل تملك أدوات ضغط على ترامب لم تكن متاحة لها مع الرؤساء الآخرين. ولكن وفي نفس الوقت لعبت هذه التنازلات دورا آخر في تعامل ترامب مع إسرائيل، ففي الوقت الذي سمحت له بإشفاء غليل إسرائيل، سمحت له أيضا بتفادي الدخول في حرب مباشرة مع إيران.
هذا التفسير يظلّ قائمًا حتى بعد أن رضخ ترامب لنتانياهو، ذلك أن قرار الدخول في الحرب لم يُحظى بإجماع داخل الإدارة الأمريكية للأسباب المذكورة، بل كان في مجمله قرارًا فرديًا. حسب تقرير نشرته "النيويورك تايمز" فإن نائب الرئيس جاي دي فانس المعارض للحرب كان في مهمة خارج البلاد حين إجتمع نتانياهو بترامب وطاقمه بالبيت الأبيض ليعرض عليهم خطّته. ولم يكن ذلك محض الصدفة بل كان الهدف منه تغييب طرف خليق بإفشال المشروع. غير أن غياب أو تغييب فانس لم يكن كافيًا لإقناع المسؤولين الحاضرين بإسثناء بيت هيقسيث، وزير الدفاع المعروف بتطرّفه الديني وهواجسه المعادية للمسلمين وإنعدام معرفته بالشؤون الإستراتيجية. أمّا وزير الخارجية وقادة الجيش والمخابرات فلم يخفوا تحفّظاتهم وعدم يقينهم بنجاح الخطّة المطروحة. طبعًا نتنياهو لم يعرهم أدنى إهتمام قناعةً منه أن زمام الأمور بين يدي الرئيس ترامب وأن هذا الأخير لم يكن قادرا على ردّ طلبه لما يملكه من أوراق ضغط لا يزال مضمونها لغزا قد تكشف عنه الأيام مستقبلا. المؤكد هو أنّ هذه الأوراق لا تمتّ بصلة الى الإعتبارات الإستراتيجية بل تخصّ ترامب الشخص وليس الرئيس.
أفضل دليل على ذلك هو أن الصورة اللامعة التي رسمها نتنياهو للعملية خلال ذلك الإجتماع كان من شأنها أن تثير حفيظة أي رئيس يقتصر إهتمامه على العوامل الاستراتيجية أو أن تدفع به إلى طرح بعض الأسئلة. مثلا، إذا كانت إدّعاءات نتنياهو بأن الحرب ستكون بسرعة البرق والنصر مضمون، لماذا لا تتكفل اسرائيل بالمهمة لوحدها كما فعلت مع العديد من الدول ؟ لماذا الإصرار على جرّ الولايات المتحدة وعدم الإكتفاء بسندها المادي والدبلوماسي ؟ أليس ذلك إعتراف واضح بصعوبة المهمة ؟ ولكن ترامب أنصت إلى العرض دون التعبير عن أدنى إعتراض، وبعد الإجتماع سارع بإخطار طاقمه بأنه إقتنع بالفكرة وأن أمريكا داخلة الحرب.
السيناريو الذي عرضه نتنياهو على ترامب وإدارته كان يقضي بالقضاء أولًا على المرشد الأعلى وتدمير القدرات العسكرية الإيرانية كي تتزعزع الأمور في إيران بشكل يفسح المجال لجموع الإيرانيين المفترض أنهم يترقّبون الفرصة السانحة للخروج إلى الشارع في ثورة شعبية يساهم الموصاد في إذكاء فتيلها بالتوازي مع تسليح الأكراد كي يتحركوا بشرق البلاد فينهار النظام، ويتمّ إستبداله بنظام ضعيف عسكريا وهشّ مؤسساتيا فيسهل على أمريكا أن تتحكّم فيه بما يتماشى مع إستراتيجية إسرائيل طويلة المدى التي سبق ذكرها. وقد اتّضح فيما بعد أن نتانياهو فكّر في تنصيب رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، على رأس إيران والمعروف عنه أنّه موالي لإسرائيل تمام الولاء. أمّا عن حجم ونوعية الردّ الإيراني المرتقب، من إغلاق لمضيق هرمز وإستهداف للقواعد العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، فإن نتنياهو قلّل من شأنها بحجة أن إيران أضعف من أن تتمكّن من ذلك خصوصا وأن كثافة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي سوف يصيب القدرات الإيرانية بالشلل التام إن لم يدمّرها عن آخرها.
ولكن وكما أثبتت الأحداث، تبيّن أن سيناريو نتانياهو كان فيه من الخيال قدرا يفوق بكثير ما كان فيه من واقعية، إلى درجة تجعل المتتبّع يعجب من أن نتانياهو نفسه آمن به وأن ترامب إقتنع به. ولكن العجب سرعان ما يزول لأن السبب الذي يفسّر خيارًا كهذا سهل التشخيص، وهو نفس السبب الذي يسمح بشرح فحوى الهزيمة الفكرية التي تمثّل أُولى ما تكبّدته أميركا وإسرائيل من هزائم في هذه الحرب.
الهزيمة الفكريّة
فكريا، من الواضح أن خطّة نتنياهو كانت مبنية على تصور خاطئ لموازين القوى الدولية. وهو خطأ شائع نجده متفشي في الدول القويّة، خصوصا في الدوائر المتأثّرة بفكر المحافظين الجدد من أمثال كاﭬن. هذا المفهوم كثيرا ما يؤدي إلى الغرور المفرط في الحسابات الإستراتيجية ويتسبب في إنتاج العكس تماما لأهداف الحرب، مفاده أن موازين القوى يحكمها عامل واحد فريد وهو التفاوت في القوة العسكرية. ولدى إسقاطه على العمليات الميدانية فإنه يجعل الطرف الأقوى يقتنع ان تفوقه العسكري يضمن له النصر المؤكد. هذا السبب بالذات هو الذي دفع بنتنياهو الى تفادي الدخول في مواجهة مع إيران دون مشاركة أمريكا. كان يدرك أن إيران وإن لم تكن دولة عظمى عسكريا، فإنها تملك من القدرات العسكرية ما سوف يسمح لها بالصمود بل وبالنصر في حرب لا يشارك فيها طرف ثالث بقوة الولايات المتحدة. ترامب أن يتفطّن لذلك، وبغضّ النظر عن الضغوطات الشخصية التي يكون نتانياهو قد مارسها ضدّه، فإنه كان يشاطر هذا الأخير فهمه الناقص لحقيقة موازين القوى كما يتجلى ذلك بوضوح في الكتاب الذي نشره قديمًا تحت عنوان "فن الصفقات".
لا شكّ أن القوة العسكرية تلعب دورا لا يستهان به في موازين القوى ولكنها ليست العامل الوحيد. ذلك أن أثرها يزداد او يضعف بقدر تفاعلها مع عوامل أخرى. المفارقة أن المخابرات الأمريكية لم تكن تجهل أن هذه العوامل كانت سارية المفعولة في الحالة الإيرانية، لذلك تفادى الرؤساء السابقون إستدراج إيران إلى حرب مفتوحة. وليس أدلّ على سخط المخابرات الأمريكية على ترامت إلّا إستقالة جو كانْت المدوّية، الحليف الوفي الذي كافأه ترامت بتعيينه على رأس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، أحد أهم أجهزة المخابرات في أمريكا.
ويكمن عامل الصمود الأوّل لإيران في مدى تشابك بنيتها المؤسساتية. على نقيض ما إفترضه ترامت ونتانياهو بنظرة سطحية وبكثير من العنصرية، لا يليق إختزال التركيبة المؤسساتية الإيرانية في سلطة المرشد الأعلى مهما كان نفوذه. الحجّة في ذلك أن إغتيال علي خمنائي لم يفض إلى إنهيار النظام كما كان لينهار لو أنّه كان حقا محصورا في شخص واحد، بل تمّ إنتقاء مرشد جديد بطريقة مرتّبة رغم صعوبة الضرف. ذلك أن المرشد ليس إلّا تجسيدا لمؤسسة تحكمها ضوابط من بينها تلك المتعلّقة بالإستخلاف لدى غياب مرشد الساعة. صحيح أنها مؤسسة تتمتّع بسلطة واسعة لأنّها تتحكم في الحرس الثوري وفي قوات الدفاع الشعبي وفي الجيش عموما، بل ولها إمتدادات عميقة ومتنوّعة في مجال الاقتصاد والمال، غير أن سلطتها ليست مطلقة لأنها لا تمثّل سوى قطب الدولة الأول، القطب التيوقراطي الذي يتقاسم مسؤولية الشؤون العامّة مع القطب الثاني وهو القطب الجمهوري. ومنه التسمية الرسمية للدولة : جمهورية إيران الإسلامية.
ويتمثّل القطب الجمهوري في مؤسسة رئاسة الجمهورية ومؤسسة البرلمان ومؤسسات المجالس المحليّة، يتمّ إنتخابها من طرف المواطنين. التعدّدية ليست غائبة في إيران وإن كانت تعدّدية جدّ مقيّدة. عادة ما تتجسّد في مواجهة سياسية بين المحافظين من أمثال الرئيس السابق إبراهيم رئيسي والإصلاحيين من أمثال الرئيس الحالي مسعود برشكيان. العلاقة التي تربط بين القطبين وإن كانت ودّية في العلن فإنها ليست بالضرورة علاقة تبعية يخضع من خلالها القطب الجمهوري للقطب التيوقراطي بتلقائية. مثلا خيار المفاوضات مع الولايات المتحدة بخصوص البرنامج النووي كان سياسة الرؤساء الإصلاحيين المفضّلة، في تعارض شديد مع ميولات المرشد في زمن خمنائي.
هذا لا يعني أن إيران تخلو من نقائص. قمع حريات الإيرانيين الأساسية كثيرا ما يصل إلى مستويات خيالية مثل الإعدامات التعسفية لرياضيين وسجن لفنانين وما إلى ذلك من تصرفات تعسّفية، كما أن تغلغل الحرس الثوري في الإقتصاد أدّى إلى إستفحال الفساد على مختلف المستويات. غير أن هذه النقائص وعلى الرغم ممّا تسبّبت فيه من سخط لدى الكثير من الإيرانيين، إلّا أنها لم تكن كافية كي يتجاوبوا مع الخطّة الأمريكية الإسرائيلية، بل بلغت الأمور الى حد أنهم جازفوا بحياتهم عندما تجمهروا فوق الجسور ردًا على ترامب الذي هدد بنسف البنية التحتية للبلاد.
صمود إيران تجسد إذًا في جبهة داخلية لم تتصدع. ومرد ذلك ليس بالضرورة رضى كل الإيرانيين على النظام وإصطفافهم وراءه، وإنما إلى كون التركيبة المتنوعة للهيكل المؤسساتي الإيراني سمح بتجنيد جزء معتبر من المجتمع، بين المقتنعين بالطابع التيوقراطي للدولة وبين المقتنعين بأن السبيل الوحيد للتغيير هو ممارسة السياسة في ظل التعددية الايرانية وان كانت مقيدة. وحتى أطياف المجتمع السياسي الإيراني التي تتمنى تغييرات جذرية لا يمكن تحقيقها في ظل النظام القائم، فأعظمها يرفض أن يتمّ ذلك من خلال تدخّلات أجنبية خصوصًا إذا كانت عسكرية مدمّرة. على هذا النحو تشكّلت كتلة حرجة داخل المجتمع الإيراني حالت دون أن تتحقّق الإنتفاضة الشعبية التي كانت أمريكا وإسرائيل تعوِّلان عليها. الواقع أن آمال ترامب ونتنياهو لم تكن ترتكز إلا على فئة المَلَكيين المتواجدة بقوة في المهجر أكثر من تواجدها على التراب الايراني. وحتى في المهجر لا يمكن إعتبار أنها تمثّل الأغلبية.
الهزيمة العسكرية
هزيمة امريكا واسرائيل العسكرية يحكمها خطأ فكري من نفس النوع. وهو الخطأ الذي يرتكبه عادة الطرف الأقوى حين يظنّ أنه سيفرض على الطرف الأضعف نمط الحرب. وفيما يخص ايران تحديدا، حذرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية ترامب من ذلك كما حذرت كل من سبقه.
من المؤكد أن إيران كانت على وعي أن أمريكا ستشنّ حربها وفق عقيدة استراتيجية ورثها الغرب عن المفكر الألماني كلاوسفيتس، مفادها ضرورة تدمير مكامن القوّة لدى العدو لتحقيق النصر في الحرب. مكامن القوّة العسكرية الإيرانية لم تكن متنوعة وكثيفة بل إقتصرت على الصواريخ الباليستسة والمسيّرات الجوية والمائية. ولكنها لم تكن مركّزه في مكان واحد، ممّا جعل استهدافها صعب للغاية. فبالرغم من أطنان القنابل التي تساقطت على التراب الايراني فإن جزءا مهما من هذه القدرات العسكريه لم يتأثر، بل سمح لإيران بالرد على شكل كان يعتقد ترامب و نيتونياهو أنها غير قادرة عليه. اضف الى ذلك ان نموذج كلاوسفيتس يفترض أن عدد الأطراف المتحاربة لا يتغيّر كما لن تتغيّر ساحة المواجهات. في ردّها العسكري، إعتمدت إيران على عقيدة استراتيجية شرقية عتيدة يعود عهدها الى الحكيم الصيني سان تزو التي تنص على استهداف مكامن الضعف لدى العدو عوض مكامن قوّته. وإعتمدت أيضا على توسيع رقعة المواجهات. وبهذه الوسيله تسنى لإيران قلب نمط الحرب رأسا على عقب، فأفلت زمام الأمور من امريكا واسرائيل عندما تمكّنت إيران من غلق مضيق هرمز فتوسعت رقعة الحرب لتشمل الاقتصاد العالمي. وتوسعت الحرب جغرافيا أيضا، فوجدت امريكا نفسها في مأزق لم تحسب له أي حساب جعل من المستحيل مواصلة الحرب دون تكبد خسائر أكبر، ففضلت توقيف القتال والشروع في مفاوضات رغما عنها.
حسب تقرير لشبكة سي آن آن الإخبارية فان الاضرار التي الحقتها إيران بالولايات المتّحدة كانت جسيمة : ستّة عشر قاعدة أمريكية بدول الخليج تمّ إستهدافها، عدد منها دمّر تماما، على غرار قاعدة الأمير سلطان الجوية بالعربية السعودية، ومباني القيادة البحرية الأمريكية بالبحرين. كما طالت الهجمات الإيرانية منظومات الدفاع الجوي من طراز "باتريوت" و"ثاد" وهي الأكثر تطورا في العالم لما تتضمّنه من رادارات متقدمة وصواريخ دقيقة. كما اخترقت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أهدافا إستراتيجسة هامّة بإسرائيل، من جملتها قواعد عسكرية بديمونة واعراد قرب منشآت ومراكز بحث نووية، فإنهارت أسطورة القبّة الحديدية ومزاعم كونها غير قابلة للإختراق.
بالطبع، النجاح في الحروب لا يقاس بحجم الدمار الذي يلحقه طرف بطرف. فعندما تدور الحرب بين طرف قوي عسكريا كأمريكا وطرف أقل قوة كدولة مثل ايران تعاني من حصار إقتصادي خانق منذ عقود، فإن النصر يكون حليف الطرف الأقلّ قوة إن هو عرف كيف يصمد وكيف يوجّه ضربات للخصم الأقوى بشكل يرفع من تكلفة الحرب لهذا الأخير ويجعله يفضل الإقلاع عن العمل العسكري ولو إلى حين. على هذا الأساس، إنتصار الطرف الأضعف لا يعني أنه الحق بالطرف الاقوى قدرا من الدمار أكبر من الأضرار التي تكون قد لحقت به، لأن المسألة ليست كمية بل نوعية.
ايران تضررت كثيرا من الحرب بسبب الدماء التي سالت والمنشآت التي دمرت والضغط الاقتصادي الذي ترتب عن الحرب. انتصار ايران عسكريا وهي الطرف الاضعف في المعادلة يقاس بالموقع الذي ضمنته لنفسها في موازين القوى بعدم الانهيار وبرفع تكلفة الحرب للخصم بشكل جعله يتخلى عن الأهداف التي سطرها لنفسه عندما قرر العدوان. بهذا الصدد، يقول المصدر السابق ان تكلفة الحرب بلغت ما يقارب 50 مليار دولار في حرب لم تدم سوى أسابيع معدودة.
الهزيمة الجيوسياسية
التكلفة المعنوية تفوق أهمية التكلفة المالية لأن الحرب توقّفت بهزيمة جيوسياسية هزّت مكانة أمريكا في العالم. دول الخليج مثلا خضعت للهيمنة الأمريكية مقابل ضمان أمنها واستقرار ورفاهية اقتصادها. وفي نهاية الأمر لم تتردد الولايات المتحدة في التضحية بها وتحويلها دون إستشارتها إلى مسرح للعمليات العسكرية، كلّ ذلك لإرضاء إسرائيل. من الممكن جدا أن لا تتخلى العديد من دول الخليج عن سياسة الخضوع لأمريكا، ولكن من المرجّح أيضا أن تعيد بعض الدول الاخرى كالعربيه السعوديه حساباتها، والدليل على ذلك ان الرياض ابلغت واشنطن انها لن تسمح للقوات الأمريكية باستعمال ترابها ومجالها الجوي في الاعتداء مجددا على ايران. وهذا تراجع جيوسياسي معتبر لأمريكا.
وأكثر من ذلك فإن الإشكال الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم لا ينحصر في الخليج وحسب بل يمتد الى العالم بأسره. فشل أمريكا العسكري وإنهيار أسطورة القواعد العسكرية المحصّنة ومنظومات الدفاع الجوّي غير القابلة للإختراق، كلّها عوامل تعقّد بشكل ملموس من الإستراتيجية التي تحاول امريكا تطبيقها منذ مدّة في صراعها مع دول عظمى أخرى، تحديدا منذ إدارة اوباما، حيث سعت سعيا حثيثا ولا تزال لتجنيد حلفائها التقليديين المجتمعين في حلف شمال الأطلسي وحلفاء آخرين كأستراليا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية بالإضافة الى العديد من الدول الأخرى، خصوصا المتواجدة منها بالقارّة الآسيوية، بهدف تشكيل كتلة تتزعمها لكبح جماح الصين وتهميش روسيا.
إستراتيجية كهذه تتطلب تضافر عاملين لا تقل أهمية أحدهما عن اهمية الاخر في موازين القوى، وهما عامل القوة العسكرية والإقتصادية وعامل الشرعية الدولية. ويكمن عامل الشرعية في الموازنة بين المصالح والقوانين والأعراف الدولية. العامل الثاني كثيرا ما تتجاهله الولايات المتحدة في تعاملها مع خصومها ولكنها تعرف عادة كيف تصون علاقاتها مع حلفائها أو مع الدول التي تريد إستدراجها إلى فلكها. اما إدارة ترامب فلم تكتف بتجاهل القانون الدولي والأعراف الدولية في مواجهتها مع القوى العظمى المنافسة، بل جعلت من ذلك قاعدة للتعامل مع العالم بأسره، بما في ذلك أقرب الحلفاء، فدخل في حروب تجارية مع الجميع وهدد سيادة الدول المقرّبة مثل كندا والدنمارك، ولم يتردد في ممارسة القرصنة البحرية والاعتداء العسكري كما فعل مع فنزويلا. تلك اشارة واضحة أنها إدارة لا تؤمن إلا بالقوة، وهو ما جعلها تتجاهل حلفاءها في الغرب وفي القارّة الآسيوية بقدر ما تجاهلت دول الخليج حين إتّخذت قرار الحرب - ذات الدول التي تعوّل عليها لإحتواء النفوذ الصيني - ولم تتوقع أن يقابل طلبها بالرفض حين أرغمتها صعوبات الحرب على طلب المساعدة في العمليات العسكرية.
هذه الإنتكاسة أعظم ممّا يبدو لأول وهلة لأن فشل امريكا امام ايران فكريا وعملياتيا إنعكس سلبا على سياسة أمريكا الدولية لما نلاحظه من عزوف الدول الحليفة والصديقة عن مجاراتها في محاولة التضييق على الصين بحجة انها - امريكا - الاقوى والاوفى. وما الدليل على ذلك الا عوده الدول الاوروبيه الى طلب ود الصين بعد ان شاركت ولو بشيء من التردد في محاوله تهميش الاقتصاد الصيني في السنوات الأخيرة. بل إن ترامب نفسه، وبعد أن تحامل بعنف على الصين على أمل تقزيمها بالسيطرة على على مصادر توريدها بالنفط من خلال السيطرة على إيران، تراجع وزار الصين منذ أسبوع برفقت فريق هائل من أرباب العمل سعيا منه لربط علاقات اقتصاديه جديده مع الشركات الصينيه، مستعملا نبرة مسالمة في تصريحاته لم يعهدها له أحد من قبل.
على هذا الأساس تتأكّد الأخبار التي تسربت والتي مفادها أن الصين وروسيا ساعدتها إيران قبل الحرب عسكريا واقتصاديا وإبّان الحرب من خلال إمدادها بالمؤونة وبالمعلومات لتحديد المواقع المستهدفة وبتكنولوجيا الملاحة الجوية لتوجيه المسيرات والصواريخ. كان الهدف من هذا التوجّه تمكين إيران من الصمود ، وهو عامل اخر تجاهله ترامب ونتنياهو بسبب فهمما المحدود لموازين القوى المبني على التفاوت في القدرات العسكرية فقط. كان يكفي امريكا ان تاخذ بعين الاعتبار كل العوامل المؤثرة في موازين القوى كي تفهم بأنها ستدخل الحرب من موقع لا يقل ضعفا من موقع إيران إن لم يكن أضعف. لذا أصبح من الصعب جدا وربما من المستحيل أن تهدد أمريكا خصومها الأقوياء بما تملكه من قوة وتعتقد انهم ياخذون تهديداتها على محمل الجد.
على أن لا يفهم ممّا سبق أن أمريكا أضحت دولة لا شأن لها. فشلها ضد ايران لن يكون كافيا كي تعود للإلتزام بالشرعية أكثر من السابق، وستظل لاعبا أساسيا في الشؤون الدولية بإمكانه التأثير على الاقتصاد العالمي والمؤسسات الدولية، لاعب قادر أيضا على إلحاق أضرار جسيمة بخصومه. كما لا يجب ان يفهم بأن نجاح إيران في المقاومة يعني أن المشاكل التي تعاني منها داخليا، واقليميا ودوليا في طريقها إلى الحل. عداء أمريكا لها وأكثر من ذلك عداء إسرائيل سيتسبب في تمديد الضغط عليها وفي اغتنام أي فرصة للاعتداء عليها مجددا بطريقة او باخرى.
أخبار
2026-05-16
رياضة
2026-05-16
رأي من الحراك
2026-05-16
Point de vue
2026-05-16
أخبار
2026-05-16
أخبار
2026-05-16