anep-logo-new

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

مبالغ خيالية تُنفق في الانتخابات الأميركية…ديمقراطية للبيع لمن يدفع أكثر !

مبالغ خيالية تُنفق في الانتخابات الأميركية…ديمقراطية للبيع لمن يدفع أكثر !


من واشنطن: محمود بلحيمر


إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم وأول تريليونير في المعمورة، يحشد أكثر من 276 مليون دولار لدعم مرشحي الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل. وبهذا يكون ماسك أكبر المتبرعين في هذه الانتخابات المصيرية للرئاسة الحالية لدونالد ترامب، في محاولة لإنقاذ الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، بحيث تشير التوقعات إلى أن احتمال انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين أمر وارد، بالإضافة إلى مجلس النواب.

وحسب ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" فقد تبرّع ماسك هذا الصيف بمبلغ إجمالي قدره 158 مليون دولار لدعم "صندوق القيادة بمجلس الشيوخ"، وهو لجنة سياسية مستقلة كبرى تدعم مرشحي الحزب الجمهوري لعضوية المجلس، وفقًا لفريقه. ويُعد هذا المبلغ واحدًا من أكبر التبرعات السياسية في تاريخ الولايات المتحدة، كما أنه يفوق ما جمعه صندوق مماثل للحزب الديمقراطي بالمجلس من جميع المتبرعين خلال ذلك الربع من العام.

وتُعد هذه الأموال أدوات حاسمة في الحملة الانتخابية للحزبين، فالمالُ عصب الحرب كما يقال، بحيث توّجه التبرعات إلى توظيف الناشطين في الحملة الانتخابية وتمويل الاستراتيجيات الإعلامية في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها. وكمثال على ذلك، ضُخّت أموالٌ طائلة لدعم حملة المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، كين باكستون، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي أنه قد يخسر السباق أمام منافسة الديمقراطي، جيمس تالاريكو، وقد يؤول أحد مقعدي مجلس الشيوح بهذه الولاية الجنوبية إلى الديمقراطيين لأول مرة منذ عقود.

ويأتي الإنفاق السخي لإيلون مسك ليعزز تفوّق الجمهوريين من ناحية السيولة المالية التي يمتلكها الحزبان لكي تُصرف في الحملة الانتخابية، فمثلا أظهرت بياناتٌ نشرها موقع "بوليتيكو" في 22 جويلية الماضي أن اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري تمتلك في حساباتها 128 مليون دولار، مقارنة بنحو 16 مليون دولار فقط لدى اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، مع العلم أن اللجنة الديمقراطية مُدانة بنحو 18 مليون دولار.


11.6 مليار دولار ستُنفق على الإعلانات

الفجوة المالية بين الحزبين أثارت مخاوف من عدم قدرة الديمقراطيين على حشد الدعم الانتخابي لموعد 3 نوفمبر، لكن خبراء من الحزب يطمئنون بأنهم سيفوزون لأنهم واثقون من حصولهم على أصوات من سيذهبون لصناديق الاقتراع وليس من حفنة من الميلياديرات ورجال الأعمال الذين يوقعون صكوكا معتبرة للجمهوريين. كما يرى مراقبون بأن المبالغ الضخمة للمانحين ليست كافية لحل مشكلة الحزب في ظل الارتفاع الكبير لأسعار البنزين ومشاكل التضخم والقدرة الشرائية والحرب على إيران والسياسات التي تلقى الإجماع بشأن الهجرة.

ليس واضحا لحد الآن حجم المبالغ التي ستُصرف خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي هذا العام، غير أن مؤشرات تفيد أنها ستكون الحملة الأغلى في تاريخ البلاد. فمثلا تفيد تقديرات نشرتها وكالة "رويترز" أن نحو 11.6 مليار دولار ستُنفق على الإعلانات وحدها، وهو رقم قياسي للإنفاق على الإعلانات السياسية في أي دورة انتخابية. ويُعزى هذا الارتفاع جزئيا، وفق "رويترز"، إلى الزيادة الكبيرة في الإنفاق على سباقات حاسمة على مقاعد مجلس الشيوخ في ولايات أوهايو وتكساس وماين.

وزيادة على التبرعات الرسمية التي تُصرّح بها لجان الحزبين وكذا المرشحون واللجان الخاصة الداعمة لهم تغرقُ "الديمقراطية الأميركية" فيما يسمّى في أوساط الحملة الانتخابية بالأموال "السرية" أو "المظلمة" (Dark Money)، ويُقصد بها الأموال المجهولة المصدر التي تتسلل إلى الميدان السياسي لدعم مرشح على حساب آخر. فالكثير من المليارديرات والشركات والمانحين يخفون أسماءهم حين ينفقون أموالا كبيرة لحماية أجنداتهم ومصالحهم، ولهم تأثير على السباقات الانتخابية في جميع الولايات، ولهم تأثير على ما سيفعله الفائز في الانتخابات حين يلتحق بالمؤسسة السياسية في واشنطن أو في مؤسسات ولايته.

ووفق تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في عدد 30 أوت الماضي، فإنه "في جميع أنحاء أميركا، تغرق انتخابات التجديد النصفي في الأموال المظلمة"، وكشفت تحليلات الصحيفة لبيانات الإعلانات وملفات تمويل الحملات الانتخابية، والسجلات الضريبية "أن نحو مليار دولار من الأموال مجهولة المصدر تتدفق بغزارة في المشهد السياسي في هذا العام 2026؛ وهو مبلغ مذهل ومع ذلك يُعد تقديرا متحفظا (أو في الحد الأدنى)، نظرا لصعوبة تتبع هذه الأموال".

حضور المال بقوة في السياسة بأميركا ليس أمرا جديدا، لكنه أخذ منحى أكبر مع القرار التاريخي الذي أصدرته المحكمة العليا في 2010 فيما يُعرف بـ"سيتيزنز يونايتد"، والذي غيّر جوهر تمويل الحملات الانتخابية في أميركا. القرار منعَ تقييد الإنفاق السياسي المستقل من طرف الشركات والجمعيات والنقابات العمالية إلخ، ومهّد الطريق لظهور لجان العمل السياسي الكبرى (Super PACs) التي صارت تنفق الأموال بلا حساب في الحملات الانتخابية، وصارت العملية وكأنها شراء للمترشحين.


الأثرياء يشترون المؤسسات!

ومع مرور الوقت صار لطبقة كبار الأثرياء، مثل إيلون ماسك وجيف بيزوز ولاري إليسون وغيرهم، نفوذا مؤثرا في الحقل السياسي. إيلون ماسك وصل إلى حد المشاركة في حكومة ترامب الذي منحه ما سمي بوزارة الفعالية الحكومية، فطرد عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين وأغلق وكالات ومؤسسات فيدرالية قال إنها لا تجدي نفعا ! ماسك اشترى هذا النفود بنحو 291 مليون دولار صرفها من أجل انتخاب ترامب ومرشحين جمهوريين في 2024.

ومن بين الأمثلة المعروفة في الساحة السياسية الأميركية ما تقوم به منذ عقود لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك"، والتي تصرف أموالا طائلة على المترشحين من الحزبين في مجلسي النواب والشيوخ لتضمن تصويتهم على سياسات تدعم إسرائيل مهما كان الأمر. رأينا ذلك واضحا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة. أيباك جمعت نحو 233 مليون دولار لدعم مرشحين في انتخابات نوفمبر المقبلة، وسبق وأن أنفقت 32 مليون دولار على الانتخابات التمهيدية لانتخاب مرشح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ من أجل هزيمة عبد الرحمن السيد، لكنه فاز بسبب استياء الناخبين من تمويل القنابل التي تُستخدم في إبادة غزة من ضرائب الأميركيين! وهذا مؤشر آخر على أن "أيباك" صارت أيضا عبءا على مرشحين بسبب سوء سمعتها وارتباط من دعّمتهم بسياسية "إسرائيل أولا".

ويعتقد غالبية الأميركيين أن كبار المانحين السياسيين وأصحاب المصالح الخاصة يملكون نفوذا مفرطا في السياسة، بينما يمتلك الأشخاص العاديون نفوذا ضئيلا للغاية. وفي استطلاع للرأي أجراه "بيو" (Pew Research) يعتقد 72% من الأميركيين بضرورة تحديد سقف الانفاق في الحملات الانتخابية.

السيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت، والذي يصوّت مع الديمقراطيين، بيرني ساندرس، يصف نظام تمويل الحملات الانتخابية في أميركا بالفاسد، ودعا للتخلص من قرار المحكمة العليا "سيتيزنز يونايتد" ويقول إن الكونغرس أصبح خاضعا لسيطرة طبقة المليارديرات الذين يشترون ويبيعون أعضاءه.

الكاتب الأميركي توماس فريدمان ذكر في كتاب له (*) أنه عندما يريد شخصٌ ما الترشح للانتخابات فسيتصل مباشرة بالمانحين والداعمين المحتملين لحملته الانتخابية، وهؤلاء في الغالب هم أثرياء وممثلو شركات كبرى إلخ، حينها سيمنحونه ورقة تتضمن جملة من المطالب؛ كخفض الضرائب ورفع القيود الحكومية ومزايا تجارية واقتصادية وسياسية مختلفة، ويقولون له أدرسها جيّدا وإذا وافقت عليها فسندعمك وإذا لم توافق فحظا سعيدا، لن ترى مليما واحدا ! وفي حالة الموافقة فسيكون "السياسي الفائز"، عضو الكونغرس الأميركي أو مجالس الولايات، رهينة لمن موّلوا حملته، وفي حالة الرفض فسيتعذر عليه النجاح في السباق الانتخابي.

وفي كل هذا تغيب حرية الاختيار للناخب الأميركي، لأن من سيقرر السياسات ومن سيؤثر في القرار هو من يدفع أكثر.

م. ب

-------------

*Thomas Friedman: “That Used to Be Us: How America Fell Behind in the World It Invented and How We Can Come Back”. 2011.

اخبار اخرى