رسالة شكر من البابا ليون الرابع عشر إلى الرئيس عبد المجيد تبون
أخبار
2026-04-15

من واشنطن: محمود بلحيمر
لم يتردد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الغارق في مستنقع حربه ضد إيران، في تدشين حرب كلامية مع البابا ليو الرابع عشر، بابا الكنيسة الكاثوليكية. شيء غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة التي يقوم نظامها السياسي على مبدأ الفصل بين "الكنيسة والدولة".
هذا الصدام العلني ليس حدثا هامشيا؛ فنحن أمام زعيميْن أميركييْن، أحدهما زعيم القوة العظمى في العالم بتعداد سكاني يقدر بنحو 340 مليون نسمة، والثاني هو الزعيم الروحي لنحو مليار و400 مليون مسيحي كاثوليكي في العالم، من ضمنهم 70 مليون كاثوليكي أميركي، صوّت أغلبهم لصالح ترامب في آخر انتخابات رئاسية في نوفمبر 2024.
لبُ النزاع هو نهج الحرب الذي اختارته إدارة الرئيس ترامب لنفسها؛ فلقد أعلن في أكثر من مناسبة عن معارضته للحرب، داعيا إلى الحوار والمصالحة. وصرّح البابا مؤخرا أمام حشد من المصلين أن الرب "لا يستجيب لدعاء من يشنون الحرب، بل يرفضه". وفي تصريح آخر قال البابا: "أُكرر دعوتي لجميع قادة العالم، وأقول لهم: عودوا إلى طاولة الحوار، دعونا نبحث عن حلول للمشاكل، دعونا نبحث عن سبل للحد من العنف الذي نُروّج له، لعل السلام، وخاصة في عيد الفصح، يسود قلوبنا". كما وصف البابا ليو الرابع عشر تهديد ترامب بتدمير "حضارة بأكملها" في إيران بأنه "غير مقبول بتاتا". كما انتقد سابقا حملة ترامب للترحيل الجماعي للمهاجرين التي قال عنها إنها غير إنسانية".
ترامب وفي منشورات على منصته "تروث سوشل" كما في تصريحات للصحفيين انتقد الحبر الأعظم وقال إنه "ضعيف في ملف محاربة الجريمة وسيء جدا في السياسة الخارجية". ووجه ترامب انتقادا لاذعا للبابا قائلا إنه "لم يكن على أي قائمة ليصبح بابا، ولم تضعه الكنيسة هناك إلا لأنه أميركي، وقد ظنّوا أن ذلك سيكون أفضل طريقة للتعامل مع الرئيس دونالد ترامب. ولو لم أكن أنا في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان". وفي وقت لاحق، نشر ترامب صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهره كما لو أنه المسيح، ثم حذفها لاحقا، وأصرّ على أن الصورة تُظهره كطبيب. وأثارت الصورة غضبا في الأوساط المسيحية ورفض الاعتذار للبابا.
البابا: لا أخشى إدارة ترامب
وخلال توجهه إلى الجزائر، كمحطة أولى في جولته الإفريقية، صرّح البابا للصحافيين على متن الطائرة البابوية بأنه "لا يخشى إدارة ترامب، ولا التحدّث علنا عن رسالة الإنجيل."
ثلاث ملاحظات يمكن أن نستنتجها من هذا الصدام العلني غير المسبوق بين الرئيس الأميركي والزعيم الديني الذي يتمتع بسلطة أخلاقية هائلة على نحو مليار ونصف مليار شخص في العالم:
أولا: أن البابا ينسف السردية التي تُروِّج لها الأوساط المؤيدة للحرب في أميركا عن مباركة الرب لحرب إيران وفنزويلا... فلحشد دعم الأميركيين للحرب لا تكتفي الإدارة الأميركية والأوساط المؤيدة للحرب، بصياغة سردية عقلانية تقوم على شرح الأهداف الاستراتيجية الحيوية لها، بل تُضفي عليها الصبغة الدينية أو "القداسة"، سعيا لحشد دعم القاعدة الواسعة من تيار "ماغا" المحافظ، لاسيما من الإنجيليين المسيحيين وحتى المسيحيين الكاثوليك. ومثلما حصل في وقت سابق، لاسيما مع الإدارة الجمهورية للرئيس جورج بوش الإبن، يتم توظيف اقتباسات من الإنجيل لتعزيز فكرة أن الرب يبارك هذه الحرب وأنها مشيئة إلاهية إلخ، كما يتم تشويه صورة الطرف المُعتدى عليه، وتجريده من إنسانيته، وإدراجه ضمن "محور الشر"، وتقديم محاربته ضمن معادلة الخير ضد الشر، والمتحضرين ضد الهمج إلخ.
وكشف تقرير نشرته صحيفة "الغاردين"، مطلع شهر مارس الماضي، أن مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) تلقت أكثر من 200 شكوى من أفراد الجيش في جميع فروع القوات المسلحة، حول استخدام خطاب مسيحي متطرف يتعلق بـ"نهاية الزمان" الواردة في الكتاب المقدس، وذلك لتبرير مشاركة القوات في الحرب ضد إيران أمام الجنود، الذين تم إبلاغهم بأن الحرب "جزء من خطة إلاهية".
المسيحيون منقسمون بشأن الحرب على إيران
وينسجم هذا مع موقف تيار المسيحيين الإنجيليين، المؤيد بشدة لإسرائيل، والذي لم يُسمع له صوتٌ معارضٌ لحرب إيران أو فنزويلا أو حتى الإبادة في قطاع غزة، بل على العكس يتماهى هذا التيار تماما مع النهج المؤيد للحرب لإدارة ترامب، ويتم تجاهل القيم المسيحية التي تشجب القتل لاسيما الأبرياء كالأطفال والنساء والمدنيين الفلسطينيين، على سبيل المثال.
على النقيض من ذلك، كان رفض الكنيسة الكاثوليكية للحرب واضحا في تصريحات البابا ليو الرابع عشر. وفي مقابلة على برنامج "60 دقيقة" الشهير على شبكة "سي بي أس" “60 بُثت الأحد، قال روبرت ماك إلروي، رئيس أساقفة واشنطن، إن "الحرب الأميركية مع إيران، وفقا للتعاليم الكاثوليكية، ليست حربًا عادلة"، بينما قال الكاردينال بلايز كوبيش، رئيس أساقفة شيكاغو، إن طريقة تناول إدارة ترامب للنزاع، والتي صوّرته على أنه نوع من الترفيه المبهج، "تؤدي أيضًا إلى تجريد ضحايا الحرب من إنسانيتهم".
ثانيا: من الواضح أن هذه الخطوة المتعثرة لترامب لها ثمنها السياسي في الأجل القريب، فبمُهاجمته بابا الفاتيكان يبدو ترامب "كمن يُطلق النار على قدميه". فمن جهة سيخسر لا محالة، برفقة الحزب الجمهوري، دعم قطاع واسع من الأميركييين الكاثوليك الذين دعّموه في الانتخابات الماضية، ناهيك عن الصورة المشينة التي يخلّفها عن إدارته وعن الولايات المتحدة نفسها، بعد تهديده بقصف المنشآت المدنية الحيوية في إيران، مثل محطات الطاقة والجسور، وتدمير حضارة إنسانية بالكامل، حضارة الفرس الإيرانيين من بين أعرق الحضارات في العالم.
لم ينتهج ترامب أسلوب الرؤساء السابقين في التعامل بحذر مع مواقف الفاتيكان إزاء الشأن الأميركي لاسيما السياسة الخارجية، بل اختار موقفا هجوميا ينمّ ربما عن جهله لثقل الكنيسة الكاثوليكية ونفوذها على المؤمنين في أميركا وفي العالم. ولا ندري هل يعرف ترامب قصة الزعيم السوفياتي السابق، جوزيف ستالين، الذي تساءل ساخرا من مكانة البابا قائلا: "البابا، كم من فرقة عسكرية"؟! "Le Pape, combien de divisions" وكأن القوة والنفوذ تكمن حصرا في الجيوش الجرارة ولا وزن للنفوذ الأخلاقي والإيديولوجي.
ثالثا: يبقى تداخل الديني مع السياسي يثير جدلا حادا في أميركا، لاسيما عندما يتعلق الأمر بإيران والشرق الأوسط عموما. فهناك انقسام حاد بشأن الحرب في الوسط الديني كما في الشارع الأميركي، في ظل حرب السرديات المستعرة. ففي مقابل سردية التيار المعارض للحرب من منطلق أخلاقي ديني هناك سردية أخرى تدعم موقف الإدارة التي تردد أن الحرب كانت ضرورية للأمن القومي لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي ووضع حد للتهديد الإيراني ووصف نظامها بالإرهابي إلخ.
وفي هذا الشأن نشرت صحيفة "نيويورك بوست" مقالة رأي يوم الثلاثاء 14 أبريل، بعنوان: "موقف البابا من حرب إيران صادم ويتجاهل شرّ طهران"، انتقدت فيه بشدة البابا ليو الرابع عشر، ومما جاء فيه أن تصوير الحرب على أنها "حرب عدوان غير مبرر لا يعدو كونه انقلابا أخلاقيا بامتياز؛ فقد اختار البابا أن يتجاهل تماما ما يقترفه النظام الإيراني من سفكٍ متعمدٍ وجماعيٍ لدماء الأبرياء، وهو النظام الذي أقدم في وقت سابق من هذا العام على قتل نحو 40 ألف متظاهر بريء، كما قضى السنوات السبع والأربعين الماضية يشن حرباً على أميركا والغرب عبر ارتكاب فظائع إرهابية قاتلة..".
الانتقادات الحادة لصحيفة "نيويورك بوست" للبابا ومواقفه من الحرب تنسجم تماما مع انتقادات ترامب للحبر الأعظم، وهي حاملة لرسائل دعم لموقف البيت الأبيض لكي لا يخسر الشرعية الأخلافية للحرب، بعدما حسم البابا بأن "الرب لا يبارك الحرب" وأن ما يجري ليس باسمه.
م. ب
أخبار
2026-04-15
أخبار
2026-04-15
أخبار
2026-04-15
أخبار
2026-04-15
أخبار
2026-04-15
أخبار
2026-04-15