anep-logo-new

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

نتائج قمة ترامب وتشي في واشنطن: هدنة إلى حين

نتائج قمة ترامب وتشي في واشنطن: هدنة إلى حين


من واشنطن: محمود بلحيمر


عاد الرئيس الصيني، شي جينغ بينغ، إلى بكين يوم السبت، بعد قمّة من ثلاثة أيام جمعته برئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، في واشنطن، من دون أن تُحرز المباحثاتُ تقدما يذكر في القضايا الخلافية الكبرى، لاسيما التجارة البينية، بين القوة الاقتصادية الأولى عالميا (أميركا) ومنافستها المباشرة (الصين).

ترامب أولى اهتماما بالغا بضيفه الصيني؛ فعلى غير العادة تنقل إلى مطار أندروز، بولاية ميريلاند المجاورة للعاصمة واشنطن، لاستقبال ضيفه، شي جينغ بينغ، علما أن من النادر أن يستقبل رئيس أميركي ضيوفه في المطار. وفي نهاية الزيارة أُعلن أنه تم الاتفاق على إنشاء قناة للتعامل مع الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتسريع العمل على الاتصالات العسكرية لإدارة الأزمات ومنع نشوب الأزمات بين الجيشين.

وبشأن الحرب التجارية التي اندلعت بين البلدين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض وفرضه رسوما تجارية على سلع صينية، اتفقت واشنطن وبكين على تمديد الهدنة التجارية شهرين إضافيين إلى غاية 10 يناير 2027، بعدما كان مقررا أن تنتهي في 10 نوفمبر. ووفق بيان صيني سيواصل الجانبان العمل معًا بشأن التعهد بخفض الرسوم الجمركية المتبادلة على سلع تبلغ قيمتها نحو 30 مليار دولار. وقال البيت الأبيض إن الصين وافقت على استيراد ما لا يقل عن 10 ملايين طن متري من الفحم الأميركي خلال عامي 2027 و2028.

قبل الزيارة كانت الصحافة الأميركية قد خفّضت من توقعاتها إزاء نتائج القمة؛ بحيث أشارت التعليقات المختلفة إلى أن ترامب سيتفاخر بعلاقته الشخصية الجيدة مع تشي لكن الملفات الأساسية محلّ النزاع بين القوتين المتنافستين، لاسيما الرسوم التجارية والذكاء الاصطناعي وملف تايوان وبحر الصين الجنوبي والمعادن النادرة وحربي إيران وروسيا، ستبقى عالقة.

نقطة جوهرية أبانت عنها قمّة ترامب وتشي وهي أن أميركا ترامب باتت تُدرك حدود نفوذها على قوة صاعدة منافسة مثل الصين، فالحرب التجارية ضد من باتت تسمّى بـ"مصنع العالم" بـ 19 تريليون دولار إجمالي الناتج المحلي تعني دخول الولايات المتحدة في أزمة اقتصادية بتداعيات مكلفة للغاية على المجتمع الأميركي. رأينا ذلك مؤخرا عندما فرضت واشنطن رسموما جمركية على سلع صينية، إذ ارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق وباتت تثقل كاهل دافع الضرائب الأميركي. ولهذا اختار ترامب لغة ً مُهادنة مع بكين، عكس اللغة الحادة التي استعملها مع شركاء الولايات المتحدة التجاريين أو في حلف الناتو. مع الإشارة إلى أن ترامب كان ينتقد باستمرار الصين خلال ولايته الأولى، ونتذكر أنه خلال فترة وباء كوفيد 19 كان يسمي الوباء "الفيروس الصيني".

عجز تجاري بـ 202.1 مليار دولار

نهج التهدئة لترامب مع الصين لم يأت من فراغ بل أملته حالة الاعتماد الكبير للاقتصاد الأميركي على الصادرات الصينية؛ إذ تشير الإحصائيات إلى أن أميركا استوردت في عام 2025 سلعا صينية بقيمة 308.4 مليارات دولار، بينما استوردت الصين ما قيمته 106.3 مليارات دولار من السلع الأميركية. وقُدّر العجز التجاري الأميركي مع الصين بـ 202.1 مليار دولار، وفق بيانات المكتب الأميركي للإحصاء.

وتظهر الاحصائيات أن العجز التجاري الأميركي مع الصين تراجع في الأعوام الأخيرة من 279.6 مليارا في عام 2023، ثم سجّل 295.5 مليارا في 2024، قبل أن يصل202.7 ميليار دولار العام الماضي، لكنه لا يزال مرتفعا ويعكس حجم اعتماد الاقتصاد الأميركي على السلع الصينية إلى الحد الذي يجعل فرض رسوم جمركية أميركية على الصين خيارا يحمل خسارة للاقتصاد والمستهلك الأميركييْن. وتقول تقارير أميركية إن الصادرات الصينية إلى بقية العالم واصلت ارتفاعها، ويعتقد كثير من الاقتصاديين أن منتجات صينية لا تزال تتدفق إلى الولايات المتحدة عبر دول أخرى.

ويُجهل كيف ستتصرف إدارة ترامب بعد انقضاء أجل الهدنة التجارية مع الصين بعد 10 من يناير من العام القادم، علما أن اختلال الميزان التجاري الأميركي مع الصين هي مسألة ظلت تؤرق الإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء لسنوات، بما في ذلك إدارة ترامب الأولى (2016-2020)، وكانت من الأسباب التي برر بها ترامب فرض رسوم جمركية واسعة النطاق على بكين.

من الجانب الصيني، أعرب الرئيس تشي أنه يأمل في ما سمّاه بـ"الاستقرار الاستراتيجي"، وهو المصطلح الذي استخدمه لوصف العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة في أكتوبر الماضي، عندما التقى الزعيمان في بوسان بكوريا الجنوبية. هذا المصطلح، الذي يعود إلى الحرب الباردة "وهو وضعٌ لا تجد فيه الدول المسلحة نوويا حافزا لشنّ ضربة نووية أولى"، يعكس وفق صحف أميركية رغبةَ بكين في أن تقبل واشنطن بحدود لما يمكنها أن تمضي في مواجهة الصين. الرئيس الصيني قال إن العلاقات الاقتصادية بين البلدين مرتبطة ارتباطا وثيقا.

وعلى خلاف ترامب حين زار بكين، سافر الرئيس الصيني إلى واشنطن من دون وفدٍ من كبار رجال الأعمال والمسؤولين التنفيذيين في الشركات. وفسّر تسوي هونغجيان، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة الدراسات الأجنبية في بكين، لشبكة "سي أن أن" ذلك بأنه يؤشر على أن العلاقات بين البلدين لم تحقق بعد أيَّ تقدم جوهري في مجالي الأعمال والتجارة. مضيفا بالقول: "في الوقت الراهن، لا يزال الطرفان في مرحلة يسعيان فيها إلى مزيد من الاستقرار للوضع السياسي بعض الشيء."

الذكاء الاصطناعي: ترامب يرفض إبطاء السباق مع بكين

في مجال الذكاء الاصطناعي، وقبل زيارة تشي لواشنطن كان ترامب قد رفض النداءات الداعية لفرض قيود تُبطئ الأبحاث في هذا المجال لأن ذلك سيخدم الصين التي ستتدارك تقدم أميركا في هذه التكنولوجيا، وفق تصور زعيم البيت الأبيض، الذي يرى أن أميركا متقدمة على الصين في هذه التكنولوجيا ولا ينبغي منح بكين فرصة اللحاق بها.

وفي ختام الزيارة إتفق الطرفان على إنشاء "آلية اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لمناقشة المخاطر والمنافع ذات الصلة، على أن يُعقد حوار مخصص لهذه التكنولوجيا في نوفمبر". غير أن ترامب أشار يوم السبت إلى أن هناك حدودًا لما يمكن للولايات المتحدة مشاركته مع الصين، مؤكدًا أن واشنطن لن تبطئ جهودها في مجال الذكاء الاصطناعي. وقال للصحفيين: "الولايات المتحدة لن تضغط على المكابح". وأضاف: "إنهم يريدون وقف تقدمنا لأننا نتقدم على الصين بفارق كبير، وسنواصل الحفاظ على هذا التفوق".

يذكر أن الدعوات لإبطاء السباق نحو تطوير نماذج أكثر تطورا من الذكاء الاصطناعي كان أطلقها مؤخر قادة أكبر شركتين في المجال وهما (OpenAI) و (Anthropic)، بسبب مخاوف من خروج هذه التكنولوجيا عن نطاق السيطرة البشرية ومن تهديد منشآت حيوية أو حتى تطوير أسلحة وغيرها، فكانت هناك دعواتٍ إلى فرض مزيد من الرقابة والإشراف، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة والصين، باعتبارهما القوتين الرائدتين في هذا المجال عالميا، وردّ ترامب على ذلك بالقول إنها "مجرد خدعة تخدم مصلحة الصين".

م. ب

اخبار اخرى